المبحث الأول :ماهية النزاع / المنازعة الاقتصادية
إذا أردنا البحث عن المقصود بالمنازعة الاقتصادية ، هل يوجد مفهوم محدد لها على غرار المنازعة الإدارية ؟. بطبيعة الحال إذا كان شخص معنوي عام- الدولة ، الولاية ، البلدية ...- طرف في منازعة أكيد تكون المنازعة إدارية ، ولكن متى تكون المنازعة اقتصادية ؟
ليس هناك مفهوم محدد للمنازعة الاقتصادية ، غير أننا سنحاول التأصيل لهذا المفهوم انطلاقا من محاولة فهم المقصود باصطلاح النزاع و المنازعة وارتباط هذا الأخير بالقانون الاقتصادي والممارسة الاقتصادية .
بداية نشير إلى غياب ضبط دقيق للمقصود بالمصطلحات " النزاع ، المنازعة " متى نقول نزاع ومتى نقول منازعة ، نلاحظ انه درج استعمال لفظ نزاع غالبا في المجال الدولي أو القانون الدولي ، بينما عادة ما يطلق لفظ أو مصطلح منازعة في المجال الإداري أي نقول منازعة إدارية ... ومع ذلك سنبحث في الأمر أكثر .
إذا أردنا تعريف النزاع فهو حالة تعارض بين الأطراف المتنازعة و الناتجة إما عن عدم التوافق في المصالح أو الاحتياجات أو سوء الإدراك و المعاملة و المؤثرة على سلوك و مواقف و أهداف الأطراف المتنازعة[1] .
أما مصطلح "منازعة " يعني أن النزاع القائم بين الأطراف تطور إلى مرحلة تم عرضه على هيئات مؤهلة للفصل فيه بمقتضى القانون.
كما يمكن أن نفهم من كلمة منازعة ، خصومة ، خلاف كل فعل أو نشاط يرتكز على إخضاع وضعية فعلية للنظر من طرف شخص يتسم بالحياد والنزاهة يكون مؤهل لتطبيق القانون في إطار ممارسته لوظيفة قضائية[2] ، و أنها ذلك النشاط الذي يقتضي النطق بالقانون لوضع حد لنزاع معين .
فمصطلح المنازعة ذاته عرف العديد من المقاربات ، فيمكن الانطلاق أيضا من فكرة اختلاف المصالح بين الأطراف المتعاقدة وعدم اتفاقهم الأمر الذي من شانه أن يؤدي إلى إمكانية نشوء منازعة[3] .
غير انه انطلاقا مما سبق ذكره ، يكون من الأنسب اختيار مصطلح " نزاع" بدلا من مصطلح" منازعة" خاصة إذا ارتبط مصطلح النزاع مع الممارسة الاقتصادية في إطار التطور المتسارع الذي يشهده الواقع الاقتصادي بكافة أبعاده ، بمعنى نطلق لفظ " نزاع " على كل نزاع يترتب في إطار مباشرة أنشطة اقتصادية .
نكون بذلك أمام فكرة" النزاع الاقتصادي" مفهوم جديد تبلور تبعا لبروز قانون اقتصادي هذا الأخير الذي لم يتحدد مفهومه بدقة بعد رغم محاولات الكثير من الفقهاء[4]، في خضم ذلك بدت تداعيات أخرى ترى نوع من الخصوصية في النزاعات المنبثقة عن واقع الممارسة الاقتصادية لدرجة أن هناك من خصص لها قضاء خاص بها "المحاكم الاقتصادية[5] "، على الرغم من الصعوبة التي تكتنف محاولة تحديد مفهوم للنزاع الاقتصادي على اعتبار الطبيعة الفضفاضة لمفهوم الاقتصاد ذاته .
[1] - كريم الرود : " إعداد مفاوض لحل منازعات الأعمال " الدورة التدريبية بالمركز المغربي للتدريب والوساطة والتحكيم والاستشارات الخاص ، يومي 26 و27 مارس 2019 ، الدار البيضاء المغرب
[2] -E. PUTMAN : Contentieux économique, presses universitaires de France ,1998 , p1 .
[3] - بلجودي احلام : خصوصية المنازعات ذات الطابع الاقتصادي ، مداخلة مقدمة في فعاليات الملتقى الوطني " آليات تسوية المنازعات ذات الطابع الاقتصادي في الجزائر بين النصوص والواقع " يومي 08 /09 نوفمبر 2016 كلية الحقوق جامعة محمد الصديق بن يحي جيجل
- د- سالمي وردة : " التحكيم الية ملائمة لحل النزاع الاقتصادي " مداخلة مقدمة في المؤتمر الدولي الافتراضي حول الطرق البديلة لحل المنازعات المحلية والدولية يومي 8 و9 جوان 2021 المنظم من كلية الحقوق بجامعة الخليل بفلسطين بالتعاون مع عدة هيئات
[4] - د- سالمي وردة : " محاضرات القانون العام الاقتصادي " مقدمة لطلبة السنة ثالثة ليسانس قانون عام كلية الحقوق جامعة الإخوة منتوري قسنطينة ، 2017، ص ص 5-7 . موجودة على الرابط التالي : https://fac.umc.edu.dz/droit/affichage/cours/
[5] - القانون رقم 120 لسنة 2008 بشأن إنشاء المحاكم الاقتصادية المنشور بالجريدة الرسمية العدد 21 تابع بتاريخ 22 مايو 2008
المطلب الثالث :تمييز النزاع الاقتصادي عن بعض النزاعات الأخرى
لاشك أن التصور الواسع لمفهوم النزاع الاقتصادي السابق بيانه يجعل احتمال عدم تمييزه عن بعض النزاعات الأخرى على غرار النزاع الإداري والنزاع التجاري ...
أولا - النزاع الاقتصادي والنزاع الإداري :
نعلم جيدا تميز النزاع الإداري عن باقي النزاعات الأخرى بحكم أن احد أطرافه شخص معنوي عام استنادا لنص المادة 800 من ق ا م ا التي أشارت إلى اختصاص المحاكم الإدارية باعتبارها جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية ، حيث تختص بالفصل في أول درجة بحكم قابل للاستئناف في جميع القضايا التي تكون فيها الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية طرفا فيها ، يكون فيه موضوع النزاع مرتبط بنشاط إداري ، وان هناك جهات قضاء إداري مكلفة بالفصل في النزاع الإداري حيث ينظر القضاء الإداري ممثلا المحكمة الإدارية على وجه الخصوص دعاوي نوعية أشارت لها المادة 801 من ق ا م : دعاوى الإلغاء ، دعاوى التفسير ، دعاوى فحص المشروعية ، ودعاوى القضاء الكامل ...
في حين أن النزاع الاقتصادي يكون احد أطرافه على الأقل متعامل اقتصادي ، و موضوع النزاع يرتبط بممارسة نشاط اقتصادي ، إلا انه ليس هناك جهة قضائية مكلفة بالفصل في النزاع الاقتصادي .
ولكن النزاع الإداري بالوصف السابق قد يكون نزاع اقتصادي إذا كان احد الأطراف شخص معنوي عام والطرف الثاني متعامل اقتصادي وموضوع النزاع مرتبط بممارسة نشاط اقتصادي على غرار منازعات الصفقات العمومية ( المصلحة المتعاقدة والمتعامل المتعاقد )هي منازعة إدارية ونزاع اقتصادي بذات الوقت يختص بنظرها القضاء الإداري ، النزاع الاقتصادي قد يكون نزاع إداريا في أصله .
ثانيا - النزاع الاقتصادي والنزاع التجاري
وإذا حاولنا تمييز النزاع التجاري عن النزاع الاقتصادي بداية نقول التقارب الكبير بينهما رغم أن المشرع الجزائري ترك الغموض يشوب ماهية النزاع التجاري حين أشار إلى اختصاص القسم التجاري بالمحكمة درجة أولى بنظر المنازعة التجارية في نص المادة 531 ق ا م ا ، بخلاف باقي أقسام المحكمة أين وضح اختصاص تلك الأقسام بنظر باقي النزاعات على غرار القسم الاجتماعي ، القسم العقاري ... النزاع التجاري يكون بين التجار او على الأقل احد أطرافه تاجر ، موضوع النزاع التجاري يكون النشاط التجاري بوجه عام بالنظر للغموض الذي يشوب نص المادة531 ق ا م ا بالاستئناس لما أشارت له في المادة 5 من القانون 95-53 المتعلق بالمحاكم التجارية بالمغرب في تحديد نطاق اختصاص هذه المحاكم في الدعاوى معينة( دعاوى المتعلقة بالعقود التجارية ، الدعاوى بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية ، دعوى الشركاء في الشركات التحارية...الخ)على اعتبار موضوع النزاع الاقتصادي يرتبط بممارسة الأنشطة الاقتصادية الأمر يجعل النزاع التجاري يندرج ضمن النزاع الاقتصادي خاصة إذا علمنا صفة التاجر احد الصفات القانونية للمتعامل الاقتصادي [1].
[1] - ونوغ عبد الرحيم ، سالمي وردة : عن ماهية النزاع الاقتصادي ، مقال منشور مجلة القانون الدولي والتنمية ،مخبر القانون الدولي للتنمية للتنمية المستدلمة ، مجلد 10 ، عدد 1 جوان 2022 ، ص