المحور الأول: نماذج عن الجرائم الواقعة على الأشخاص.
ثالثا /جريمة الإجهاض.

الإجهاض هو الفعل المنصوص والمعاقب عليه في المواد من304 إلى 313 من قانون العقوبات، لكن الملاحظ أن المشرع لم يورد له أي تعريف.
أما بالرجوع للفقه فقد عرفهالبعض على أنه"هو الاعتداء على الجنين في بطن أمه "[1]، أي إنهاء حالة الحمل عمدا دون ضرورة قبل الأوان، سواء بقتل الجنين في الرحم أو إنزاله منه ولو حي فبل الموعد الطبيعي للولادة، كما عرف أيضا بأنه "التسبب عمدا في إسقاط الحمل بوسيلة غير طبيعية قبل الأوان"[2].
أولا/ أركان الجريمة:
أ/ الركن المفترض (محل الجريمة):
إن محل الجريمة هنا هو وجود ( امرأة حاملا أو يفترض حملها) حالة الحمل أو مفترض سواء توهم للمرأة نفسها أو توهم غيرها بذلك ، والقيام بالاعتداء على جنين الحقيقي أو المفترض في رحم المرأة سواء بإخراجه حيا قبل موعد ولادته أو قتله في الرحم، وهذا ما نصت المادة 304: " كل من أجهض امرأة حاملا أو مفترض حاملا.."
وتبدأ حماية حق الجنين في الحياة منذ لحظة الإخصاب إلى لحظة بداية عملية الولادة.
بالرجوع للمواد 304 إلى 313 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتممنجد أن جريمة الإجهاض تأخذ ثلاثـــــ3ــــة صور هي:
- المرأة التي تجهض نفسها
- إجهاض المرأة من قبل الغير
- التحريض على الإجهاض.
· الصورة الأولى: إجهاض المرأة لنفسها:
طبقا للمادة 309 من قانون العقوبات الجزائري التي تنص على أنه"........ المرأة التي أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو وافقت على استعمال الطرق التي أرشدت إليها أو أعطيت لها لهذا الغرض".
· الصورة الثانية: إجهاض المرأة من قبل الغير:
طبقا لنص المادة 304 من ذات القانون التي تنص على أنه" كل من أجهض امرأة حاملا أو مفترض حملها.......سواء وافقت على ذلك أو لم توافق أو شرع في ذلك...".
الملاحظ أن المشرع الجزائري لم يعتد برضا المرأة نظرا لكون الجريمة تهدد المصلحة العامة للمجتمعو الضحية الحقيقية هوالجنين الذي يحرم من حقه في الحياة، فهو يجرم ويعاقب على الإجهاض سواء برضا الأم أو بعدم رضاها.
· الصورة الثالثة: التحريض على الإجهاض:
طبقا للمادة 310 من قانون العقوبات: " يعاقب بالحبس من شهرين إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 20.001دج إلى 100.000 دج أو بالإحدى هاتين العقوبتين كل من حرض على الإجهاض ولو لم يؤدي تحريضه إلى نتيجة ما وذلك بأن:
- ألقى خطابا في أماكن أو اجتماعات عمومية.
- أو باع أو طرح للبيع أو قدم ولو في غير علانية أو عرض أو ألصق أو وزع في الطريق العمومي أو في الأماكن العمومية أو وزع في المنازل كتبا أو كتيبات أو مطبوعات أو إعلانات أو ملصقات أو رسوما أو صورا رمزية أو سلم شيئا من ذلك مغلفا بشرائط موضوعا في ظروف مغلقة أو مفتوحة إلى البريد أو إلى أي عامل توزيع أو نقل.
- أو قام بدعاية في العيادات الطبية الحقيقية أو المزعومة."
الملاحظ أن المشرع الجزائري لم يكتفي بتجريم الإجهاض في صورته الأولى والثانية وإنما جرم أيضا كل صور الدعاية والتحريض في وسائط الإجهاض لكي يقطع الطريق على من يفكر في ارتكاب هذه الجريمة ويحد من ارتكابها لأن المجهض لن يجد بسهولة ما يحتاج إليه من مواد وأدوات يستخدمها لإجراء الإجهاض.
ب: الركن المادي:
1 / الركن المادي في الصورة الأولى والثانية.
هو الفعل الذي يصدر عن الأم أو الغير والذي من شأنه إنهاء حالة الحمل وفصل الجنين عن أمه قبل الموعد الطبيعي بغض النظر عن الوسيلة أو الطريقةالمستعملة لذلك الغرض.
· 1 أ/ الوسائل المستعملة:
لم يحدد المشرع الجزائري أي وسيلة أو طريقة معينة لقيام جريمة الإجهاض وإنما ذكر على سبيل المثال كإعطائها مأكولات أو مشروبات أو أدوية أو يستعمل طرق أو أعمال عنف أو بأية وسيلة أخرى أو إتباع أي طريقة أرشدت إليها لتحقق الإجهاض [3].
· 1 ب /استيواء تحقق النتيجة أو عدم تحققها :
- تحقق الإجهاض ويتمثل في إنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي ويمكن تصورها في الحالات التالية:
*حالة خروج الجنين ميتا من رحم أمه قبل الموعد الطبيعي لولادته .
*حالة خروج الجنين حيا من رحم أمه قبل الموعد الطبيعي لولادته لأن في خروج الجنين في هذه الحالة اعتداء على حقه في استمرار النمو الطبيعي في بطن أمه حتى الولادة الطبيعية.
- عدم تحقق النتيجةيعاقب المشرع أيضا في جريمة الإجهاض حتى في حالة الجريمة المستحيلة أي سواء كانت حامل أو يفترض حملها، كما يتحقق الشروع أيضا إذا توافرت ظروف مستقلة عن إرادة الجاني حالت دون تحقيق النتيجة المهم البدء في التنفيذ[4].
· 1 ج / العلاقة السببية:
يجب أن تتوفر علاقة سببية بين فعل والوسيلة او الطريقة المستعملة في الإجهاض وإنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي، وذلك بأن يثبت بأن الفعل الذي قام به الجاني هو الذي أدى إلى خروج الجنين من رحم الأم قبل الموعد الطبيعي لولادته حيا أو ميتا.
2/ الركن الماديفي الصورة الثالثة : ويتمثل في :
2 أ/ الوسيلة المستعملة فيصورة التحريض على الإجهاض المنصوص عليها في المادة 310 أعلاه على سبيل الحصر وهي:
- القاء الخطب في أماكن أو اجتماعات عمومية.
- بيع أو عرض أو لصق أو توزيع كتابات أو رسوم أو صور.
- القيام بالدعاية في العيادات الحقيقية أو المزعومة.
2 ب/ تحقق أو عدم تحقق النتيجة :لقيام جريمة التحريض على الإجهاض لا يشترط تحقيق نتيجة من التحريض فسواء أدى إلى الإجهاض أو لم يؤد إليه.[5]
2 ج/ العلاقة السببية:
يجب أن تتوفر علاقة سببية بين أحدوسائل التحريض على الاجهاض المذكورة على سبيل الحصر في المادة 10 السالفة الذكر وإنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي، وذلك بأن يثبت بأن احدى وسائل التحريض التي قام بها الجاني هي التي حرضت على الاجهاض و أدى إلى خروج الجنين من رحم الأم قبل الموعد الطبيعي لولادته حيا أو ميتا، أو حتى التحريض لم ينتج أثره.
ج/ الركن المعنوي : جريمة الاجهاض جريمة عمدية تتطلب قصد جنائي عام وقصد جنائي خاص في كامل صورها الثلاثة.
1 ج/ القصد الجنائي العام: يتحقق بإنصراف ارادة الجاني إلى ارتكاب فعل من الافعال المادية للصور الثلاثة للاجهاض مع علمه بكافة العناصر المكونة للجريمة، اي اتيان فعل بإرادة حرة وكاملة مع علمه انه مجرم ومعاقب عليه قانونا[6].
2 ج/ القصد الجنائي الخاص: ويتمثل في اتجاه نية الجاني في احداث نتيجة الاجهاض او الشروع فيها ولا يهم تحقق النتيجة ام لا، يكفي توفر نية احداثها بالقيام الركن المادي لكل صورة وبداية تنفيذه سواء كانت المراة فعل حاملا او يفترض او يتوهم حملها[7].
ثانيا: المتابعة والجزاء
أ/المتابعة :
تخضع المتابعة في هذه الجريمة للقواعد العامة لتحريك الدعوى العمومية إذ يمكن للنيابة القيام بالمتابعة بمجرد قيام أركان الجريمة ولا تخضع لأي قيد يغل يدها عن ذلك.
ب/الجزاء :
يميز المشرع من حيث العقوبات بحسب صورة الإجهاض وتركيبته سواء تعلق الأمر بالعقوبات الأصلية أو العقوبات الأخرى.
1- صورة المرأة التي تجهض نفسها: (المادة 309 ق ع ).
أ- العقوبات الأصلية: تعاقب المادة 309 المرأة التي تجهض نفسها أو تشرع في ذلك بالحبس من 06 أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20.001دج إلى 100.000دج.
ب - العقوبات التكميلية: يجوز الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة وذلك لمدة لا تتجاوز 05 سنوات طبقا للمادة 12/2 من قانون العقوبات.
2-صورة إجهاض المرأة من قبل الغير: ( المواد 304، 305 و306 ق ع )
أ- العقوبات الأصلية: تعاقب المادة 304 " كل من أجهض امرأة أو شرع في ذلك بالحبس من سنة إلى 05 سنوات وبغرامة من 20.001 إلى 10.000دج.
وإذا أفضى الإجهاض إلى الموت تكون العقوبة السجن المؤقت من 10 سنوات إلى 20سنة.
ب-العقوبات التكميلية: يجوز الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة و ذلك لمدة لا تتجاوز 05 سنوات طبقا للفقرة الثانية من المادة 12 من قانون العقوبات.
ج-تدابير الأمن: إذا كان الإجهاض من قبل الأطباء،الصيادلة،القابلات، جراحي الأسنان وشبه الطبيين وطلبة الطب بمختلف فروعه وتخصصاته أو تم بتدبيرهم أو مساعدتهم تجيز المادة 306 الحكم على الجاني علاوة على العقوبات المنصوص عليها في المواد 304، 305 عند الاقتضاء بتدبير من تدابير الأمن يتمثل في حرمانه من ممارسة مهنته لمدة لا تتجاوز 05 سنوات ويجوز أن يأمر بالنفاذ المعجل لهذا التدبير وفقا لنص المادة 23 من قانون العقوبات.
وقد يحصل أن تكون المرأة التي تجهض نفسها طبيبة أو قابلة أو صيدلية أو جراحة أسنان أو طالبة في هذه الاختصاصات أو تنتمي للسلك الشبه الطبي، الراجح عندئذ أنها لا تخضع لحكم المادة 306 وإنما للمادة 309 أين تأخذ حكم المرأة التي تجهض نفسها لا للحكم المنصوص عليه في المادة 309 والخاص لصفة الأطباء وأشباههم.
د-الظروف المشددة:تشدد عقوبة الحبس في صورة إجهاض المرأة من قبل الغير في حالة الاعتياد على ممارسة الإجهاض أو على المساعدة عليه فترفع على النحو التالي[8]:
- تضاعف عقوبة الحبس المقررة في المادة 304/01 وهي من سنة إلى 05 سنوات فتصبح من سنتين إلى 10 سنوات.
- إذا أقضى الإجهاض إلى الموت ترفع عقوبة السجن المؤقت المقررة في المادة 304/02 وهي من عشرة إلى 20 سنة إلى الحد الأقصى.
الإعفاء من العقوبة: لا عقوبة على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة إنقاذ حياة الأم من الخطر متى أجراه طبيب او جراح في غير خفاء وبعد إبلاغه السلطة الإدارية [9].
3 - صورة التحريض على الإجهاض:
أ- العقوبة الاصلية :طبقا للمادة 310 من قانون العقوبات: يعاقب بالحبس من شهرين إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 20.001دج إلى 100.000 دج أو بالإحدى هاتين العقوبتين.
ب - العقوبات التكميلية: يجوز الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة وذلك لمدة لا تتجاوز 05 سنوات طبقا للمادة 12/2 من قانون العقوبات.
في كل الأحوال فإن المادة 311 من قانون العقوبات تقضي بالحكم على الجاني بقوة القانون بالمنع من ممارسة أي مهنة أو أداء أي عمل بأية صفة كانت في المؤسسات العمومية أو الخاصة للتوليد أو لأمراض النساء مثل المستشفيات والعيادات ودور الولادة، وتجدر الإشارة إلى أن حكم المادة 311 يختلف عن حكم المادة 309 من عدة نواحي وهي[10]:
الاختلاف الأول: يكمن في أن المادة 306 تقضي بحرمان الجاني من ممارسة مهنته فحسب في حين تقضي المادة 311 بالمنع من ممارسة أي مهنة أو أداء أي عمل في المؤسسات العامة.
الاختلاف الثاني: يتمثل في كون حكم المادة 306 محصور في الأطباء وما شابههم في حين تطبق المادة 311 على كل من ارتكب جريمة ذات صلة بالإجهاض، وتطبيق حكم المادة 311 بقوة القانون في حين أن حكم المادة 306 جوازي.
كما قرر المشرع الجزائري أيضا أنه كل حكم عن الشروع او الاشتراك في الجرائم الإجهاض يستتبع ذات المنع[11]، كل من يخالف المنع المحكوم به يعاقب بالحبس من ستة أشهر الى سنتين وبغرامة من 20.201 الى 100.000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين[12].
[1] - عبد العزيز سعد، الجرائم الواقعة على نظام الاسرة ، ط1، الدار التونسية للنشر تونس ، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1990، ص 50.
[2]- عائشة عبد الحميد، الصفة الخاصة كظرف مشدد في جريمة الاجاض طبقا للتشريع الجزائري ، مقال منشور بمجلة افاق علمية، جامعة الطارف، الجزائر، ع 1، م13، 2021، ص603.
[3] - وهذا ما جاء صراحة بعبارة "...أو بأي وسيلة أخرى..."في نص المادة 304 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم وكذا ما نصت عليه المادة 309 من ذات القانون بقولها "....أو وافقت على استعمال الطرق التي ارشد تاليها أو أعطيت لهذا الغرض".
[4] - هذا ما نص عليه المشرع من خلال المادة 304 أعلاه بعبارة "حاملا أو مفترض حملها".
[5] - هذا ما نصت عليه المادة 310 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم بعيارة "كل من حرض على الإجهاض ولو لم يؤدي تحريضه إلى نتيجة ما".
[6] - هو استعمال الوسائل المؤدية للاجهاض كتناول أو اعطاء اطعمة او مشروبات او عقاقير يعلم مسبقا نتائج تناولها وعلى الرغم من ذلك يتم تناولها او تقديمها قصد احداث الاجهاض سواء برضا الام ام لا ، أكثر تفصيل أنظر في ذلك: عبد العزيز سعد المرجع السابق ، ص 57.
[7] - يجب ان يقصد الجاني احداث الاجهاض سواء كانت المرأة حاملا او مفترض حملها بغض النظر عن تحقق النتيجة أم لا ، بشرط وجود ارادة حرة ، اكثر التفاصيل انظر في ذلك: أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي الخاص، ط14، ج1، المرجع السابق ، ص43.
[8] - أنظر : المادة 305 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم.
[9] - هذا ما أقره المشرع الجزائري من خلال نص المادة 308 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم.
[10]- عائشة عبد الحميد، مرجع سابق ، ص 608 وما يليها.
[11]- في حالة كان حكم اجنبي تقرر محكمة محل اقامة المحكوم عليه محل تطبيق المنع المنصوص عليه في المادة 311 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم ،وهذا ما نصت عليه المادة 312 من ذات القانون.
[12] - هذا ما اقرته ونصت عليه المادة 313 من قانون العقوبات الجزائري المعدل والمتمم.