المحور الرابع :المهن التي يمكن لطالب الحقوق امتهانها
للمشروع المهني و الشخصي عدة نماذج و تطبيقات، و التي تشترط فيها الحصول على شهادة الليسانس أو الماستر في الحقوق بها لاسيما القضاء ، و المحضر القضائي ، و الموثق ، و المحاماة .
أولا- مهنة القضاء:
إذا كان القضاء يوصف بأنه سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية و التنفيذية ، فهي استقلالية يجب أن تكرس في التنظيم القانوني للدولة ، و من بين قواعد هذا التنظيم تلك المتعلقة بالتنظيم القضائي ، و هي تتضمن بعدين متلازمين : الأول يتعلق باستقلال القضاء كمؤسسة ، و الثاني يتعلق باستقلال القاضي و معاوني القضاء كأفراد ، هذا الطرح الأخير ينقسم كذلك إلى استقلال القاضي عضويا عن السلطة التنفيذية بأن لا تتخل أي سلطة في تعيينه و مساره المهني ، و استقلاله وظيفيا بأن لا تتدخل السلطات الأخرى في سلطات القاضي ، إلا أن الضرورة المنهجية للمقياس التي تتعلق بالقضاء كمهنة مستقبلية تقتضي التطرق إلى استقلالية القاضي عضويا عن السلطتين التنفيذية و التشريعية ، و ذلك سيستخلص خاصة من خلال طريقة التعيين و شروط التوظيف من جهة و ضمانات القضاة من جهة ثانية.
1 - طريقة تعيين القضاة :
يتم اختيار القضاة عن طريق التعيين ، و هي الطريقة المتبعة في معظم التشريعات المعاصرة ، مع أن بعضها قد أخذ مبدأ اختيار القاضي عن طريق الانتخاب العام كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية .
و التعيين يتم بموجب مرسوم رئاسي ، بناء على اقتراح من وزير العدل ، و بعد مداولة المجلس الأعلى للقضاء ، و ذلك حسب المادة 4 من القانون العضوي رقم 04/11 المؤرخ في 06/09/2004 المتضمن القانون الأساسي للقضاء .
و إذا كان يعاب على نظام التعيين بأنه لا يكفل استقلالية القضاء ، فإنه و مما يقلل من أهمية ذلك العيب أن التعيين يتم بعد أخذ رأي الجهة المهيمنة على شؤون القضاة و هي المجلس الأعلى للقضاء ، إضافة إلى أن القانون 04/11 قد احتوى على نصوص قانونية كرست مجموعة من الضمانات ، من شأنها استقلال القاضي بعد التعيين.
2 - شروط الالتحاق بالمهنة :بالنسبة لشروط الالتحاق بالقضاء فإنه و باستثناء شرط الجنسية المنصوص عليه في المادة 37 من القانون الأساسي للقضاء فإن بقية الشروط أحال ذات القانون اختصاص تحديدها إلى السلطة التنفيذية.أما بقية الشروط فقد حددها المرسوم التنفيذي
16/159 المحدد لتنظيم المدرسة العليا للقضاء و كيفيات سيرها و شروط الالتحاق بها و نظام الدراسة فيها و حقوق الطلبة القضاة و واجباتهم و هي :
- بلوغ سن 35 على الأكثر عند تاريخ المسابقة و لم يشترط المرسوم حد أدنى.
- حيازة شهادة ليسانس في الحقوق على الأقل أو شهادة معادلة لها.
- إثبات الوضعية اتجاه الخدمة الوطنية .
- توفر شروط الكفاءة البدنية و العقلية لممارسة وظيفة القضاء .
- التمتع بالحقوق المدنية و السايسية و حسن الخلق و السمعة الطبية.
مدة التكوين محددة بأربعة سنوات تشمل تكوين نظري و آخر تطبيقي ينتهي بامتحانات كتابية و شفوية و مناقشة لمذكرة تخرج ، تتوج بشهادة .
و يمكن تعيين القضاة مباشرة بصفتهم مستشارين بالمحكمة العليا أو مجلس الدولة بناء على اقتراح من وزير العدل و بعد مداولة المجلس الأعلى للقضاء ، على أن لا تتجاوز هذه النسبة 20 بالمئة من عدد المناصب المتوفرة ، بالنسبة لحاملي الدكتوراه بدرجة أستاذ التعليم العالي في الحقوق أو الشريعة ، و القانون أو العلوم المالية أو الاقتصادية أو التجارية ، و الذين مارسوا على الأقل في الاختصاصات ذات الصلة بالميدان القضائي لمدة 10 سنوات ، و كذلك المحامين المعتمدين لدى المحكمة العليا الذين مارسوا فعليا و لنفس المدة على الأقل بهذه الصفة ، و هذا حسب نص المادة 45 من القانون الأساسي للقضاء.
وتمت مراجعة شروط توظيف القضاة ونظام تكوينهم المبينة آنفا ، بموجب المرسوم التنفيذي المعدل رقــم 22-243 المؤرخ في 30 جوان 2022، المعدل للمرسوم تنفيذي رقم 16- 159 مؤرخ في 30 ماي 2016 يحدد تنظيم المدرسة العليا للقضاء و كيفيات سيرها و شروط الالتحاق بها و نظام الدراسة فيها و حقوق الطلبة القضاة و واجباتهم و منها:
– بلوغ سن (27) سنة على الأقل، و أربعين (40) سنة على الأكثر، عند تاريخ المسابقة.
– حيازة شهادة الماستر في الحقوق، على الأقل، أو شهادة معادلة،
* ضمان تأطير عملية التكوين من قبل سلك مدرسين مؤهلين ومن ذوي الاختصاص.
* تدعيم التأطير الإداري للمدرسة العليا للقضاء بما يؤهلها للمتابعة الدقيقة لمختلف أنماط التكوين.
* تعزيز تدريس اللغات الأجنبية وتقنيات الإعلام الآلي.
* التركيز على التربصات الميدانية لاكتساب المهارات العملية الكفيلة بتأهيل القاضي لممارسة المهام القضائية باقتدار.
3 - ضمانات القضاة :
أحاط المشرع القاضي بجملة من الضمانات القانونية تكفل حمايته من ضغوطات السلطات الأخرى في الدولة ، و يمكن تلخيصها في ثلاث ضمانات :
أ - تتعلق بمبدأ استقلال القضاة كأفراد : فالمشرع يضمن استقلال القاضي و حياده ، و فضلا عن كونه مبدأ تشريعي فهو أيضا مبدأ دستوري ، و منه فإن كان مبدأ الفصل بين السلطات يفرض على السلطة القضائية عدم التدخل في أعمال السلطتين : التشريعية و التنفيذية ، فإنه يفرض في المقابل عدم تدخلهما في القضاء ، إذ لا فائدة في القواعد المنظمة للادعاء و التحقيق و الحكم ، إن لم يكن القاضي يعمل بوحي من ضميره ، و من دون تدخل أية جهة كانت.
ب - يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء : و هو مجلس يتشكل من رئيس الجمهورية رئيسا و من وزير العدل نائبا له ، و من رئيس المحكمة العليا و النائب العام لديها مع 10 قضاة يتم انتخابهم من زملائهم ، إثنان منهم من المحكمة العليا ، و اثنان منهم من مجلس الدولة ، و إثنان منهم من المجالس القضائية ، و اثنان منهم من الجهات القضائية الإدارية غير مجلس الدولة ، و الاثنان المتبقيان من المحاكم العادية ، على أن يكون أحدهما بالنسبة لكل جهة من الحكم و الآخر من النيابة ، إضافة إلى 6 شخصيات يختارهم رئيس الجمهورية خارج سلك القضاة .
و يشارك في أعماله المدير المكلف بتسيير شؤون القضاة و تدوم عضويتهم 4 سنوات غير قابلة للتجديد ، على أن يحدد نصفهم كل سنتين ، و ينعقد المجلس في دورتين عاديتين في السنة مع إمكانية عقد دورة استثنائية بطلب من رئيسه ، و لا تصح المداولات إلا بحضور ثلثي الأعضاء و تتخذ قراراته بأغلبية الأصوات .
و يختص المجلس الأعلى للقضاء بدراسة ملفات تعيين القضاة و نقلهم و ترقيتهم ، و تأديبهم عند الإخلال بواجبات الوظيفة ، و عن كل عمل يمس الشرف أو الكرامة أو الآداب من جانب القاضي ، كالتخلف عن الجلسات ، و التأخير عن الفصل في الدعاوى بدون عذر ، و إفشاء سر المداولات و التمييز بين المتقاضين ، و مزاولة التجارة ، و التلفظ بالعبارات النابية و شراء الحقوق المتنازع فيها ، و لا تثبت أي من هذه الأفعال إلا بموجب محاضر تحرر من طرف مفتشي وزارة العدل ، و التي كان يتعين أن تكون هذه المفتشية تابعة للمجلس الأعلى للقضاء و ليس لوزارة العدل ، و هو التأديب الذي يمكن أن ينتهي بالعزل .
ج - يتعلق بالحصانة من المحاكمة الجزائية : فعلى الرغم من أن القاضي يسأل جنائيا متى ارتكب جريمة ، فإنه لا يجوز القبض عليه و حبسه دون الحصول على إذن من المجلس الأعلى للقضاء ، و متى كان ذلك فإن متابعته جزائيا تخضع للقواعد الخاصة الواردة في قانون الإجراءات الجزائية و هي تقضي بوجوب إخطار النائب العام ، ليتولى عرض الملف على غرفة الاتهام فإن رأت وجها للمتابعة أحالته إلى جهة قضائية غير تلك التي يباشر فيها اختصاصاته ، و أن الدعوى التأديبية في هذه الحالة لا تحرك إلا بعد أن يصبح الحكم الجزائي نهائيا .