ثانيا : مصادر القانون الدولي لحقوق الانسان
2ـ المصادر القارية والاقليمية لحماية حقوق الانسان
تعد المصادر القارية و الاقليمية لحماية حقوق الانسان دعما و تكملة لما جاء في المصادر الدولية السالف ذكرها وعليه سنتطرق اليها بالتفصيل على النحو الآتي :
أ - اتفاقيات حماية حقوق الانسان في أوروبا :
بتاريخ 03 نوفمبر 1950 بناء على طلب من مجلس أوروبا تم اقرار الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الانسان و الحريات الأساسية التي دخلت حيز النفاذ في 03 ديسمبر 1953 و التي تعد بمثابة قانون دولي أوروبي لحقوق الانسان ، حيث تضمنت التزاما قانونيا يلزم الدول المصادقة عليه بضرورة ادخال تعديلات على تشريعاتها الوطنية تتماشى و أحكام الاتفاقية على أن لا يكون تعارض بينهما .
الى جانب هذا فقد تضمنت الاتفاقية الأوروبية الحقوق المدنية والسياسية أما الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية فقد أبرم بشأنها الميثاق الاجتماعي الأوروبي في 18 أكتوبر 1961 بمدينة توران الإيطالية ،و دخل حيز النفاذ في 26 جوان 1965 ، والذي تم تعديله في ماي 1996 ودخل حيز النفاذ في جوان 1999 ،هذا و ألحق بالاتفاقية الأوروبية أربعة عشرة بروتوكولا اضافيا آخر بهدف تدعيم الاتفاقية الأوروبية بنصوص جديدة تغطي النقائص الواردة بها و توسيع دائرة الحقوق .
بالإضافة الى كل هذا تبنى مجلس أوروبا عدة اتفاقيات دولية أخرى نذكر منها :
- الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بالوقاية من التعذيب و العقوبات أو المعاملات غير الانسانية أو المهينة المبرمة بستراسبورغ ( فرنسا ) في 26 نوفمبر 1987 و دخلت حيز النفاذ في 01 فيفري 1989، و بروتوكوليها الاضافيين لعام 1993 .
- الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات القومية المبرمة في 01 فيفري 1995 و دخلت حيز النفاذ في 01 فيفري 1998.
- الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بحقوق الطفل لعام 1996 و دخلت حيز النفاذ في 01 جويلية 2000 .
ب - اتفاقيات حماية حقوق الانسان في الدول الأمريكية:
حماية حقوق الانسان في الدول الأمريكية يعتمد في المقام الأول على ميثاق الدول الأمريكية لعام 1948 الذي تم اقراره بمناسبة المؤتمر الأمريكي التاسع الذي عقد في بوغوتا bogota ( كولومبيا ) و هو عبارة عن معاهدة جاءت تحت تسمية ميثاق و المتكون من ديباجة و مئة و خمسون مادة ، دخل حيز النفاذ سنة 1953 ، الغاية منه ضمان الحرية للإنسان الأمريكي وحقوقه دون أي تمييز لا على أساس الأصل أو الجنسية أو الدين أو اللون أو أي شيء آخر ، كما تناول في محتواه الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية .
بمناسبة نفس المؤتمر المذكور أعلاه تم اقرار الاعلان الأمريكي لحقوق الانسان و واجباته حيث تضمن جملة من الحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية الثقافية و المتكون من ديباجة و ثمانية و ثلاثون مادة مقسمة الى فصلين بين حقوق وواجبات ، بعد هذا سنة 1978 تم عقد مؤتمر الحكومات الأمريكية في سان خوسيه عاصمة كوستاريكا أين تم الاتفاق على ابرام الاتفاقية الأمريكية لحقوق الانسان ، و التي تضمنت بالإضافة الى ديباجة اثنان و ثمانين مادة ، مع العلم أنها جاءت مشابهة للاتفاقية الأوروبية من حيث الحقوق المعترف بها و مع ذلك ما يميز الاتفاقية الأمريكية أنها تناولت جملة من الحقوق التي لم تتطرق اليها أي وثيقة دولية من قبل نذكر منها على سبيل المثال :
- الاعتراف بالأطفال المولودين خارج الرابطة الزوجية و تمتعهم بنفس الحقوق التي يتمتع بها جميع الأطفال .
- حق كل فرد في جنسية الدولة التي يولد فيها اذا لم يكن له الحق في جنسية أخرى .
- الاعتراف للأجنبي بحقه في عدم الابعاد و حظر الترحيل الجماعي للأجانب.
- حظر ابعاد الأجنبي الى أي بلد آخر سواء كان بلده الأصلي أو أي بلد آخر اذا كان هناك ما يهدد حقه في الحياة أو الحرية بسبب جنسيته أو جنسه أو دينه أو وضعه الاجتماعي أو انتمائه السياسي .
ما يفهم من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الانسان أنها تهدف الى حماية الانسان ليس لكونه مواطن أمريكي و انما بوصفه انسان و حماية لحقوقه و حرياته الأساسية بغض النظر عن أي تمييز ، كما ألحق بهذه الاتفاقية بروتوكولان اضافيان الأول سان سلفادور لعام 1988 المتعلق بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، دخل حيز النفاذ سنة 1999 ، أما الثاني تم اعتماده في البارغواي سنة 1990 المتضمن الغاء عقوبة الاعدام.
ج - اتفاقيات حماية حقوق الانسان في افريقيا :
بناء على المؤتمر الدولي المنعقد في أديس بابا العاصمة الأثيوبية سنة 1963 تم إقرار ميثاق منظمة الوحدة الافريقية ، الذي تم التطرق فيه الى مسألة حقوق الانسان لكن بصفة مختصرة جدا ، لكن الدول المصادقة عليه أكدت عزمها على الالتزام بميثاق الأمم المتحدة و الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، الأمر الذي كان من الضروري معه اقرار مشروع الميثاق الافريقي لحقوق الانسان و الشعوب .
هذا المشروع الذي جاء بناء على اقتراح من طرف رئيس دولة السينيغال في تلك الفترة مفاذه ضرورة انشاء لجنة افريقية لحقوق الانسان و هو ما تم تبنيه من طرف منظمة الوحدة الافريقية و قيامها بتكليف مجموعة من القضاة لإعداد هذا المشروع ، الذي تم عرضه بمناسبة مؤتمر رؤساء الدول و الحكومات الافريقية المنعقد في منروفيا ( ليبيريا ) سنة 1973 أين تمت احالته على مجموعة من الخبراء في مجال حقوق الانسان .
بعد عدة اجتماعات لمجموعة الخبراء في مجال حقوق الانسان في السنيغال عرض المشروع على وزراء الخارجية الأفارقة المجتمعون في غامبيا سنة 1980 ليتم تدارسه من طرفهم قبل عرضه على قادة الدول بمناسبة المؤتمر الدولي .
في سنة 1981 بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي الافريقي السادس عشر بمدينة نيروبي العاصمة الكينية تم اعتماد الميثاق الافريقي لحقوق الانسان و الشعوب و دخل حيز النفاذ بعد تصديق ثلاثين دولة سنة 1986 و قد تضمن ديباجة و ثمانية و ستون مادة مقسمة الى ثلاثة أجزاء تناولت حقوق الفرد ( انسان) كالحق في المساواة بدون أي تمييز ، الحق في الحياة ، الحق في محاكمة عادلة ، حرية الرأي و التعبير .... وغيرها ، أما الشق الثاني منه تناول حقوق الجماعة ما يعرف بحقوق الشعوب ( كالحق في تقرير المصير ، حق الشعوب في ممارسة سيادتها على ثرواتها الطبيعية ، حق الشعوب في السلم ... وغيرها ) ، فقد تضمن نصوص تتماشى مع ما تضمنه العهدين الدوليين للحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لعام 1966 ، و بالتالي يكون هذا الميثاق قد لعب دور كبير في تحول السياسة الافريقية تجاه حقوق الانسان و وضع حد للعديد من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها القارة .
د ـ اتفاقيات حماية حقوق الانسان في العالم العربي :
بدأ الاهتمام بحقوق الانسان في العالم العربي سنة 1968 بعد أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 2441 تحت عنوان السنة الدولية لحقوق الانسان أين دعت فيه الأمم المتحدة من خلاله جميع المنظمات الدولية و الاقليمية الى ضرورة اقامت علاقات تعاون فيما بينها و بين الدول لتفعيل و تنمية حقوق الانسان الأمر الذي استجابة له الجامعة العربية عن طريق مجلسها و تم عقد مؤتمر دولي لأول مرة مخصص لحقوق الانسان في العالم العربي ببيروت سنة 1968 الذي انبثقت عنه اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان بمقتضى القرار رقم 2443 .
مع العلم أن الجامعة العربية منذ تأسيسها سنة 1945 لم تولي مسألة حقوق الانسان أهمية كبيرة إلا بعد دعوة الأمم المتحدة الى ذلك ،و تعد اتفاقيات حماية حقوق الانسان في العالم العربي من المواثيق الاقليمية التي تم اقرارها لحماية الانسان العربي و لدعم و تكملة الاتفاقيات الدولية و القارية .
كانت المبادرة باقتراح مشروع الميثاق العربي لحقوق الانسان من طرف اتحاد الحقوقيين العرب سنة 1979 خلال الندوة المنعقد في العراق آنذاك و تم وضع مشروع اتفاقية عربية في هذا الشأن ، وعرضها على الجامعة التي تبنت الفكرة سنة 1983 و أعلنت عن وجود مشروع ميثاق عربي ، لتحيله الى الدول الأعضاء لإبداء رأيها لكنه لم يرى النور الى غاية ديسمبر 1986 أين طرحت الفكرة من جديد بمناسبة انعقاد مؤتمر الخبراء العرب بالمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية و هذا ما تم تأييده من طرف اتحاد المحامين العرب خلال مؤتمرهم المنعقد في الكويت سنة 1987 ، حيث أرسلت نسخ من مشروع الميثاق الى الجامعة العربية عن طريق أمينها العام و أرسلت نسخ منه الى جميع الدول لكن دون جدوى ، و مع ذلك بقي العرض قائما الى غاية 1993 أين قامت لجنة حقوق الانسان العربي بإحياء المشروع و اعادة عرضه على الجامعة التي قامت باعتماده عن طريق مجلسها في سبتمبر 1994 غير أنه لم يحظى بالقبول من غالبية الدول العربية لعدة أسباب.
هذا المشروع الذي أعيد بعثه من جديد بعد تحديثه وفق المعايير الدولية لحقوق الانسان المتجسدة في الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن من طرف اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان ومجموعة من الخبراء المتخصصين في هذا المجال و بتكليف من مجلس الجامعة بموجب القرار رقم 270 ، تم عرضه على المؤتمر الدولي للقمة العربية المنعقدة بتونس في ماي 2004 أين تم قبوله و تقديمه للمصادقة ، و كان تاريخ 15 مارس 2008 السنة التي دخل فيها الميثاق العربي لحقوق الانسان و الشعوب حيز النفاذ بمصادقة سبعة دول في هذه الفترة و هي كل من الجزائر ،فلسطين ، ليبيا ، سوريا ، البحرين ، الأردن ، و الامارات العربية المتحدة .