المحور الثاني :مراحل إعداد البحث العلمي
المرحلة الأولى: مرحلة اختيار الموضوع
إن اختيار الموضوع هو الخطوة الأولى في طريق إعداد البحث واخراجه، وإن حسن اختيار الموضوع أو المشكلة هو محور العمل العلمي الناجح، لذلك يواجه الباحث صعوبات في اختيار موضوع مناسب من الناحية الذاتية والموضوعية.
إن اختيار موضوع البحث يبدأ أساسا من الاحساس بالمشكلة، يعتبر الاحساس بالمشكلة نقطة البداية في أي مجهود للبحث العلمي، وهي أصعب مرحلة باعتبارها التصور القبلي للموضوع وكيفية حله والاجابة عنه أو هي الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير معين.
وعليه فإن اختيار الموضوع هو المحدد الرئيسي لمدى امكانية السير في البحث وإنجازه، ويجب في الموضوع المختار أن يطرح إشكالات حقيقية[1]، وعليه سنتناول أهم العوامل التي تؤثر في اختيار الموضوع.
عوامل اختيار الموضوع ( العنوان):
تتوقف كيفية اختيار الموضوع على مستوى أو نوع البحث المطلوب، فقد يختار من خلال المحاضرات الملقاة في الجامعة، أو من خلال أبحاث سابقة أو من خلال الاطلاع على مصادرالمعلومات المختلفة سواء في المكتبة أو الانترنت، أو ما يتم اقتراحه من الأستاذ المشرف، أو ما يلفت الانتباه في المؤتمرات أو وسائل الإعلام.
وفي جميع الحالات هناك عوامل ذاتية تتعلق بشخص الباحث وعوامل موضوعية تتعلق بطبيعة البحث.
1- العوامل الذاتية (العوامل المرتبطة بشخص الباحث):
هناك عدة عوامل تتعلق بشخص الباحث تجعله يميل لاختيار موضوع معين، وهذه العوامل هي المحدد الأول لاختيار الموضوع، وتتمثل في العناصر التالية:
- الرغبة الذاتية أو النفسية: تعد أول عامل أساسي في اختيار الموضوع، فهي تحقق عملية الارتباط النفسي بين الباحث وموضوعه وينتج عن ذلك المثابرة والصبر والتحمس المعقول لإنجاز البحث.
وتلعب الرغبة دورا مهما أيضا في تحديد مشكلة البحث أو موضوع معين ضمن موضوعات القانون بمختلف تقسيماته (العام والخاص)، وقد يكون منبع تلك الرغبة والميل ناتجا عن الاطلاع العام أو الخاص لدى الباحث الدراسات سابقة أو معاصرة أثارت عددا من التساؤلات التي يحاول الإجابة عنها من خلال ذلك البحث.
- الدافع الشخصي (التجارب الذاتية): قد يكون الدافع هو حل مشكلة معينة أو أزمة معينة مر بها الباحث كالمرأة القانونية التي عانت من مشاكل النفقة أو الميراث ففي هذه الحالة قد تميل إلى البحث في مسائل الأحوال الشخصية، أو الباحث الذي عاني هو شخصيا أو أحد مقربيه من ظاهرة التسريح الجماعي من العمل فيميل إلى البحث في مسائل علاقات العمل، ويقال أن منبع المشكلة يأتي من الشعور بعائق أو شيئ ما يحير الباحث ويقلقه نتيجة لاتصاله العلمي والاجتماعي.
- القدرات العقلية للباحث: تتفاوت القدرات العقلية للباحثين من حيث درجة التحليل والتفسير، فعلى الباحث أن يختار الموضوع الذي يناسب قدراته العقلية[2].
- نوعية التخصص العلمي: يختار الباحث موضوع بحثه في نطاق تخصصه العلمي بوجه عام أو في أحد فروع تخصصه، فهو عامل أساسي في اختيار الموضوع.
- طبيعة موقف الباحث: يختار الباحث موضوع بحثه بما يتناسب مع مركزه العلمي والاجتماعي والسياسي، وهذه الاعتبارات تسهل على الباحث عملية البحث في نطاق الوظيفة الممارسة[3].
- عامل التخصص المهني: هو عامل ومؤشر أساسي في اختيار الموضوع فقد تكون الوسائل المادية التي توفرها له وظيفته تحت خدمته مما يسهل عليه عملية البحث ويدعم الجانب العملي الموضوع البحث
- الحالة المالية والاجتماعية للباحث: هناك بعض البحوث يستدعي القيام بها مصاريف كثيرة قد تفوق قدرات الباحث المالية كالمواضيع التي تتطلب التنقل للخارج واقتناء المراجع وتصويرها أو شراءها، وأيضا الحالة الاجتماعية للباحث.
2- العوامل الموضوعية (المرتبطة بطبيعة البحث):
إضافة إلى العوامل الذاتية السابق ذكرها توجد عوامل أخرى تتعلق بموضوع وطبيعة البحث يجب على الباحث مراعاتها عند اختيار موضوع البحث، وتتمثل في العناصر التالية:
- القيمة العلمية للموضوع: يجب أن يكون الموضوع ذو قيمة علمية نظرية وعملية حية ومفيدة، فمعيار جدة البحث تعد عاملا أساسيا لتحديد القيمة العلمية للبحث لكن قد يكون الموضوع مطروحا من قبل لكنه يحتاج إلى إثراء وتنقيح وإعادة تجميع للمعلومات، كما أن الموضوع من الأفضل أن يحوي جانبا علميا تطبيقيا، كما أنه من الضروري أن يواكب موضوع البحث تطورات الحياة فهي متجددة بصورة متواصلة، وأيضا من الضروري أن يتصدى الباحث الظاهرة أو مسألة كبرى أو غير متساوية لها علاقة بالواقع العلمي المحلي، لكن ذلك لا ينفي التطرق إلى موضوع ذو اهتمام عالمي (حقوق الانسان، الحفاظ على البيئة، الديمقراطية، مكافحة المخدرات).
- أهداف سياسة البحث المعتمدة: وذلك نظرا لارتباط البحث العلمي بالحياة العامة الوطنية والدولية، وارتباطه أيضا بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الدولة.
- المدة المحددة لإنجاز البحوث العلمية: يجب أن تتلاءم طبيعة الموضوع مع المدة المحددة لإنجازه، فالموضوعات الطويلة والمتشبعة قد تجعل الباحث يستغرق وقتا أطول من الوقت المتاح اله.
- توافر الوثائق والمراجع: تعتبر مراجع البحث ومصادره عاملا هاما في اختيار موضوع البحث، حيث يشترط لإعدادها أن يعتمد الباحث على العديد من المراجع والمصادر التي تؤثر في القيمة العلمية للبحث، وتؤكد عنصر الثقة في نتائج البحث.
والوثائق العلمية هي جميع المصادر والمراجع الأولية والثانوية التي تحتوي على جميع المواد والمعلومات والمعارف المكونة للموضوع.
- الدرجة العلمية المحصل عليها من خلال البحث: قد ينجز البحث من أجل الحصول على درجة علمية (ليسانس، ماستر، ماجستير، دكتوراه) وهنا تتحكم هذه المسألة في طبيعة موضوع البحث، حيث تجبر الباحث على اختيار موضوع دون آخر، ويظهر الاختلاف من حيث الجدة ودرجة التعقيد والتشعب، وأيضا من حيث عدد الصفحات[4].
[1]الباحث في مجال العلوم القانونية يهتم بالظواهر القانونية مثل الدولة، المحكمة الجريمة، الشخصية المعنوية، الجريمة الأمم المتحدة، مجلس الأمن... وكل هذه الظواهر تطرح عدة تساؤلات يحاول الباحث إثارتها ثم الاجابة عنها.
[2]تطرح مسألة القدرة العقلية إذا اختار الباحث مثلا موضوعا قانونيا يرتبط بعلوم أخرى كعلم الاجتماع أو علم النفس أو الشريعة الاسلامية، أو اختار الباحث دراسة مقارنة، فتتحدد قدرة الباحث على دراسة ما يفيد بحثه في هذه العلوم.
[3]جيدير ماثيو، ترجمة ملكة أبيض، المرجع السابق، ص 35.
[4]هناك ثلاث طرق لاختيار الطالب لموضوع بحثه الطريقة الأولى هي الاختيار الذاتي أو الشخصي، وبموجب هذه الطريقة يختار الباحث أو الطالب موضوع بحثه بنفسه وميزتها أنها توفر للطالب حرية اختيار الموضوع الذي يريده ومن ثمة ارتباط الطالب عقليا ونفسيا بموضوع البحث أما سلبياتها فهي أن الطالب أو الباحث المبتدئ (بحث التخرج) يتصف يضعف خبراته البحثية والعلمية، ومن ثمة قد يكون اختياره غير سليم كان يكون الموضوع واسعا جدا أو غير متناول سابقا أو أنه مستغرق التناول لا مجال للإضافة العلمية فيه. أما الطريقة الثانية فيكون اختيار الموضوع بواسطة الأستاذ المشرف الذي يراه أجدر بالتناول إما لجديته أو عمقه أو لكونه موضوعا جديدا لم يكتب فيه من قبل أو هناك ضرورات نظرية أو عملية تتطلب مثل هذا الموضوع، وأيضا فإن الأستاذ المشرف أكثر خبرة ودراية من الطالب ومن ثمة فهو يمد الطالب بجانب من جوانب خبرته العلمية والفنية، إضافة إلى ذلك فالأستاذ أدرى بالمجالات التي تتطلب الدراسة خاصة على المستوى الوطني، بينما قد يشوب هذه الطريقة عيب يتمثل في كون الطالب قد لا يستسيغ بعض الموضوعات القانونية لسبب أو لآخر وخاصة الجانب المعرفي والميل النفسي. أما الطريقة الثالثة فتعتمد على الاختيار المختلط والذي يتخذ أحد
الأسلوبين:
- اختبار الموضوع من قبل الطالب وإقراره من طرف الأستاذ المشرف.
- اختيار الموضوع من قبل الأستاذ المشرف ثم عرضه على الطالب الذي يستحسنه.
وفي هذه الطريقة نجمع بين محاسن الطريقة الأولى والثانية، فهي تحقق حزية للطالب وخبرة الأستاذ المشرف.