المبحث السادس أساس القانون الإداري وأهميته
المطلب الثالث معيار السلطة العامة كأساس للقانون الإداري
ذهب أنصار نظرية السلطة العامة كمعيار لتحديد اساس القانون الإداري إلى القول بأنه إذا قامت الإدارة بممارسة نشاطاتها مستعملة في ذلك وسائل و امتيازات السلطة العامة ، كأن تنزع ملكية خاصة أو تغلق محلا أو تفرض تلقيحا أو تقيد حرية ، فهي بالتالي تمارس نشاطا مختلفا عن النشاط الذي يقوم به الأشخاص الطبيعيين، وجب عليها في هذه الحالة أن تخضع لقواعد القانون الإداري و يختص القضاء الإداري بالفصل في المنازعات التي قد تترتب أثناء ممارستها لهذا النشاط. بينما إذا تجردت الإدارة العامة من امتيازات السلطة العامة ومارست الأعمال نفسها التي يقوم بها الأشخاص الطبيعيين خضعت في هذه الحالة إلى قواعد القانون الخاص[1] .
في الإطار نفسه ميز الفقيه الفرنسي لافيريير Laferrière بين أعمال السلطة العامة و أعمال الإدارة أو التسيير مما يسمح بتحديد مجال تطبيق كل من القانون العام و القانون الخاص . تتجسد أعمال السلطة العامة في التصرفات الصادرة عن الهيئات الإدارية في شكل قرارات و لوائح ذات طابع عام[2] هذا النوع من الأعمال تقوم به الإدارة باعتبارها سلطة عامة آمرة متميزة عن الأفراد . فتخضع هذه الأعمال فقط إلى قواعد القانون الإداري و يختص القضاء الإداري بالفصل في المنازعات التي تثور على إثرها .
أما الطائفة الأخرى من الأعمال فتتمثل في أعمال الإدارة العادية ( أو المدنية ) تباشرها الإدارة دون استخدام سلطتها العامة بحيث تلجأ إلى استعمال الأساليب نفسها التي يستعملها الأفراد كإبرام عقود مدنية وإدارة أملاكها الخاصة. فلا تخضع هذه الأعمال إلى القانون الإداري بل تخضع لقواعد القانون المدني ، و يختص القضاء العادي بالفصل في المنازعات التي قد تثور بشأنها[3] .
ووفق هذا الاتجاه إن أساس القانون الإداري و معيار تحديد اختصاص القضاء الإداري هو طبيعة العمل الذي تقوم به الإدارة، فإذا كان من أعمال السلطة العامة كان القانون الإداري الواجب التطبيق و ينعقد الاختصاص للقضاء الإداري دون القضاء العادي . أما إذا كان العمل من أعمال الإدارة العادية كان القانون الخاص هو القانون الواجب التطبيق و يؤول الاختصاص للقضاء العادي[4].
نقد هذا المعيار:
رغم وضوح هذه النظرية من نواحي عديدة إلا أنها لم تسلم من النقد ، حيث انتقد هذا المعيار على اعتبار أن العمل به يعتمد على أساس غير محدد بشكل دقيق مما يصعب في بعض الأحيان التمييز بين الأعمال التي تقوم بها الإدارة العامة باعتبارها صاحبة سلطة عامة و بين الأعمال التي تأتها الإدارة العامة و هي مجردة من هذه الصفة[5]. أي أن الجانب السلطوي للإدارة العامة قد يظهر في حالات معينة بشكل واضح كنزع ملكية ، أو فرض ضرائب ، أو غلق طريق ، أو إعلان حالة الطوارئ .... إلخ غير أنه في بعض الأحيان يكون خفيا يجعل الإدارة أقل حرية من الاشخاص الطبيعيين[6] .
و تطبيقا لذلك في التشريع الجزائري ، فإذا لجأت الإدارة إلى التوظيف مثلا فليس لها مطلق الحرية في ذلك بل يجب عليها أن تخضع لأحكام المرسوم التنفيذي 95-293 المتعلق بكيفيات تنظيم المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في المؤسسات والإدارات[7] تكريسا لمبدأ المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة المكفول دستوريا[8] من جهة ، و لانتقاء افضل العناصر من جهة ثانية.
و في مجال التعاقد فالأمر لا يختلف عن سابقه حيث لا تملك الإدارة الحرية المطلقة في اختيار المتعاقد معها بل يجب أن تخضع لأحكام المرسوم الرئاسي 15-247 المتعلق بالصفقات العمومية و تفويضات المرفق العام فيما يخص إبرام بعض العقود كعقد التوريد و عقد الاشغال العامة ... ألخ تكريسا لمبدأ الشفافية والمساوات بين المتعاقدين .
كما انتقد هذا المعيار على أساس أنه يخرج جميع الأعمال الإدارية التي لا تتضمن الأوامر و النواهي الصريحة الصادرة من الإدارة كالعقود الإدارية ، و يحصر أعمال السلطة في تلك المتعلقة بالضبط الإداري و الأوامر الإدارية الصريحة الأمر الذي أدى إلى عدول الفقه عنه[9].
[2] André Maurin, Droit administratif, Dalloz, 10° édition, 2016, p 49.
عبد الغني بسيوني عبد الله ، القانون الإداري، منشأة المعارف الاسكندرية ، القاهرة ، 1991، ص 84[3]
- للتفصيل أكثر حول أعمال السلطة العامة و أعمال الإدارة العادية أو المدنية، راجع ايضا : ابراهيم عبد العزيز شيحا ، مبادئ و أحكام القانون الإداري الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت ، 1994 ، ص 122 .
ابراهيم عبد العزيز شيحا، مبادئ و أحكام القانون الإداري، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت ، 1994 ، ص 123[4]
[7] المرسوم التنفيذي 95-29 ، المؤرخ في 30 سبتمبر 1995 المتعلق بكيفيات تنظيم المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في المؤسسات والإدارات العمومية ، ج را العدد 57 . الصادر في 4 أكتوبر 1995 .
[8] تنص المادة 63 فقرة 1 من القانون 16-01 المتضمن التعديل الدستوري على : ( يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام والوظائف في الدولة دون أية شروط أخرى غير الشروط التي يحددها القانون )
[9] عبد الغني بسيوني عبد الله ، القانون الإداري المرجع السابق، ص 85