المبحث الأول
المطلب الثاني تعريف المنظمات الدولية وخصائصها
تعتبر المنظمة الدولية ظاهرة حديثة نسبيا في العلاقات الدولية الحالية، فقد تبين لنا أن جذورها الحقيقية الأولى ترجع فقط إلى القرن 19 وبداية القرن 20، وتعد إحدى العلامات البارزة في العلاقات الدولية، الأمر الذي يتطلب منا تعريفها(الفرع الأول)، وبيان خصائصها(الفرع الثاني).
الفرع الأول
تعريف المنظمات الدولية
تعدد التعريفات الفقهية للمنظمة الدولية وجلها متقاربة في المعنى ومنها أنها" هيئة تتفق مجموعة من الدول على إنشائها للقيام بمجموعة من الأعمال ذات الأهمية المشتركة وتمنحها الدول الأعضاء اختصاصا ذاتيا مستقلا يتكفل ميثاق الهيئة ببيانه وتحديد أغراضه ومبادئه الرئيسية [1]".
وذهب رأي آخر إلى أنها"شخص معنوي من أشخاص القانون الدولي العام ينشأ عن إتحاد إيرادات مجموعة من الدول لرعاية مصالح مشتركة، يتمتع بإرادة ذاتية في المجتمع الدولي في مواجهة الدول الأعضاء[2]".
وذهب رأي ثالث إلى أنها" تلك المؤسسات المختلفة التي تنشؤها مجموعة من الدول على وجه الدوام للإضطلاع بشأن من الشؤون الدولية العامة المشتركة [3]".
وذهب رأي رابع إلى أنها " مؤتمر دولي –الأصل فيه أن يكون على مستوى الحكومات- مزود بأجهزة لها صفة الدوام ومكنة التعبير عن إرادته الذاتية."[4]
ويقر آخرون بأن المنظمة الدولية هي" كائن قانوني دولي يتمتع بإرادة ذاتية يمارسها من خلال أجهزة أو فروع تابعة له، ويهدف إلى رعاية بعض المصالح المشتركة أو تحقيق أهداف معينة على الصعيد الدولي[5] .
كما عرفت أيضا المنظمة الدولية من خلال تعداد خصائصها وعناصرها بأنها "تجمع إيرادي لعدد من أشخاص القانون الدولي العام متجسد في شكل هيئة دائمة يتم إنشاؤها بموجب إتفاق دولي ويتمتع بإرادة ذاتية ومزود بنظام قانوني متميز، وبأجهزة مستقلة تمارس المنظمة من خلالها نشاطها لتحقيق الهدف المشترك الذي من أجله تم إنشاؤها"[6].
وما يعرف على هذا التعريف أنه تعريف شامل حدد وجمع مختلف عناصر وخصائص المنظمة الدولية .
وعموما يمكن القول في النهاية أن المنظمة الدولية هي شخص من أشخاص القانون العام يظهر إلى الوجود نتيجة اتفاق دولي تبرمه الدول الأعضاء فيه لتحيق مجموعة من الأهداف والمبادئ المشتركة المنصوص عليها في الوثيقة المنشأة للمنظمة حيث يتمتع هذا الشخص بإرادة ذاتية ومزود بأجهزة وفروع وموظفين يعملون باسمه ولحسابه ، كما تكون له ذمة مالية مستقلة عن الدول الأعضاء فيه .
الفرع الثاني
خصائص المنظمة الدولية
من خلال التعاريف السابقة نستخلص أن للمنظمة الدولية جملة من الخصائص والعناصر نوجز أهمها فيما يلي:
أولاً: الصفة الدولية:
ويقصد بهذا العنصر أن يتم تأسيس المنظمة من قبل كيانات تتمتع بوصف الدولة كاملة السيادة، وتقوم حكومة كل دولة باختيار من يمثلها في المنظمة.
والمنظمة بهذا الوصف، هي المنظمة الدولية الحكومية، وبالتالي يخرج عن هذا الوصف المنظمات التي يتم تأسيسها باتفاق الأفراد والهيئات والجماعات الخاصة، إذ يطلق على هذه الكيانات، المنظمات غير الحكومية، كمنظمة العفو الدولية، وجمعيات حقوق الانسان ومنظمة أطباء بلا حدود واتحاد المحامين العرب والاتحاد البرلماني الدولي وجمعية الصليب والهلال الأحمر.
ثانياً: الإرادة الذاتية (الشخصية القانونية الدولية):
ويقصد بالإرادة الذاتية أن يكون للمنظمة القدرة على التعبير عن رأي مستقل عن آراء الدول المكونة لها ،فرغم أن الذي يسهم في تكوين إرادة المنظمات الدولية هي الأعضاء فيها إلا أنه يجب أن تكون المحصلة النهائية لما يصدر من المنظمات مختلفا عن رأي كل دولة على حدة، ويترتب على ذلك أن آثار التصرفات التي تجريها المنظمات لا تنصرف إلى الدول الأعضاء كل منها على حدة، بل إلى المنظمة نفسها باعتبارها شخصا قانونيا دوليا مستقل في حياته القانونية عن الدول التي أقامته لتعقق من وراء إسهامها في عضويته هدا أو أهدافا معينة .
ولعل هذه الخصيصة هي التي تمنح للمنظمة تميزا واستقلالا عمن أنشأها، كما أنها تعبير عن طبيعة الهدف الذي أنشأت من أجله والمتمثل في إشباع صالح عام لا يخص عضوا أو أعضاء بذواتهم وإنما يخص كل التكوين الإجتماعي الذي تجسده المنظمة .
ويقتضي القول بتمتع المنظمة بالإرادة الذاتية أن يكون لها هيكلها التنظيمي المستقل والمتمثل في مجموعة من الأجهزة التي تمارس نشاطها باسمها ولحسابها، ومن ناحية أخرى أن يكون لها مجموعة من الموظفين يطلق عليهم تسمية "الموظفون الدوليون"، يعملون أيضا باسم المنظمة ولحسابها ولا يدينون بولاء وظيفي إلا للمنظمة ذاتها .
ومن ناحية أخرى، فإن لكل منظمة نتيجة لتمتعها بالإرادة الذاتية ميزانيتها الخاصة التي تضمن لها الإستمرارية في آداء مهامها ووظائفها .
وأخيرا فإن للمنظمات الدولية حصنات وامتيازات تتمتع بها في ٌليم كل دولة تدخل في عضويتها ويتمتع بهذه الإمتيازات والحصنات موظفو المنظمة في حدود معينة وبشروط خاصة ،كذلك فإن مباني المنظمة وممتلكاتها وأموالها تتمتع بحصانة هي الأخرى ويتوجب حمايتها.
ثالثاً: الاستمرار والديمومة:
من خصائص المنظمة الدولية، الاستمرار والديمومة فالمنظمة تنشأ أصلاً من التقاء ارادة مجموعة من الدول لتحقيق غايات مشتركة مستمرة، من هنا كان لا بد من استمرار المنظمة وأجهزتها ،وصفة الدوام لا تستلزم الاستمرار المادي بجميع أجهزة المنظمة، بل أن تكون هذه الأجهزة في حالة تسمح لها بالالتئام متى دعت الضرورة لذلك[7].
ومع ذلك فإن الإستمرار لا يعني أن تعمل المنظمة إلى الأبد لأن التأبيد مسألة لا تتفق مع طبيعة الحياة، ولكن لابد أن تستمر لفترات طويلة تتماشى مع وجود أهداف ومصالح ذات طبيعة مستمرة ويميز هذا العنصر المنظمة الدولية عن المؤتمر الدولي، فالمؤتمر ينعقد عادة لمهة خاصة ينتهي بإنتهائها، بخلاف المنظمة التي تحقق أهدافا ذات طبيعة مستمرة .
رابعاً: الأهداف المشتركة
لكل منظمة دولية اهداف تسعى إلى تحقيقها، فالمنظمة ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق غاية، ويتم تحديد أهداف المنظمة في ميثاق إنشائها.
وقد تكون هذه الاهداف عامة شاملة (سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية...) كما في منظمة الامم المتحدة أو خاصة محددة على وجه الحصر كأن تكون اقتصادية مثلاً، كما في منظمة التجارة العالمية، أو ثقافية كما في منظمة اليونسكو، او صحية كما في منظمة الصحة العالمية، أو اجتماعية كما في منظمة العمل الدولية.
خامساً: الاتفاق الدولي
لكل عمل قانوني سند يثبت وجوده، ولا تشذ عن ذلك المنظمات الدولية، وسند وجود المنظمة الدولية هو ميثاق انشاؤها الذي يعبر عن التقاء إرادات الدول الأعضاء فيها بغض النظر عن التسمية التي يتخذها هذا السند، فقد يطلق عليه عهد (Covenant) كما في وثيقة إنشاء عصبة الأمم، أو ميثاق (charter) كما في وثيقة إنشاء الأمم المتحدة، أو دستور (constitution) كما في وثيقة إنشاء منظمة الصحة العالمية...الخ.
والأصل أن الدولة ذات السيادة هي التي لها ابرام اتفاقيات انشاء المنظمات الدولية، ويرد على هذا الأصل استثناء، اذ قد يتم انشاء المنظمة من قبل كيانات لا ينطبق عليها وصف الدولة، ولكن يقتصر هذ الاستثناء على انشاء المنظمات غير الحكومية .
وحيث أن سند إنشاء المنظمة هو الوثيقة التي تجتمع فيها إرادة الدول الأعضاء، فان هذا يعني بالضرورة أن لكل دولة حرية الانضمام إلى المنظمة في حدود توافر شروط وضوابط الانضمام اليها، وليس للمنظمة ولأعضائها إرغام دولة ما على الانضمام إليها دون ارادتها بغض النظر عن نوع أو طبيعة المنظمة.
ولا بد من الاشارة إلى أن تعاوناً يمكن أن يقوم بين المنظمات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، فقد أشارت المادة (71) من ميثاق الأمم المتحدة إلى أنه (للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يجري الترتيبات المناسبة للتشاور مع الهيئات غير الحكومية التي تعنى بالمسائل الداخلة في اختصاصه).
[1] عائشة راتب ،التنظيم الدولي ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1994 ،ص 31
[2] مفيد شهاب ، المنظمات الدولية ، ط9 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1989 ، ص 35
[3] علي صادق أبو هيف ، القانون الدولي العام ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1971 ، ص 278
[4] محمد طلعت الغنيمي، الوجيز في التنظيم الدولي ، ط3 ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1977 ، ص 78
[5] أحمد أبو الوفا ، الوسيط في قانون المنظمات الدولية ، المرجع السابق، ص 36، 37
[6] محمد السعيد الدقاق ، المرجع السابق، ص 35
[7] عبد الواحد محمد الفار ، التنظيم الدولي ، عامل الكتب ، القاهرة ، 1979 ،ص 39